ابن عجيبة
311
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : مدار صفاء المعاملة على تصفية اللقمة ، فمن صفّا طعمته صفت معاملته ، ومن صفت معاملته أفضى الصفاء إلى قلبه ، ومن خلط في لقمته تكدرت معاملته ، ومن تكدرت معاملته تكدر قلبه ، ولذلك قال بعضهم : ( من أكل الحلال أطاع اللّه ، أحبّ أم كره ، ومن أكل الحرام : عصى اللّه ، أحبّ أم كره ) وكذلك الواردات الإلهية ، لا ترد إلا على من صفا مطعمه ومشربه ، ولذلك قال بعضهم : ( من لا يعرف ما يدخل بطنه لا يفرق بين الخواطر الربانية والشيطانية ) . وقال سيدي على الخواص رضي اللّه عنه : ( اعلم أن المدد الذي لم يزل فياضا على قلب كل إنسان ويتلون بحسب القلب ، والقلب يتلون بحسبه هو بحسب صلاح الطعمة وفسادها ) . ه . فالذين يأكلون الحرام ؛ كالربا وشبهه ، لا يقومون إلى معاملتهم للحق إلا كما يقوم المجنون الذي يلعب به الشيطان ، ولا يدرى ما يقول ولا ما يقال له ، فقد حرم لذيذ المناجاة وحلاوة خلوص المعاملات ، فإن احتج لنفسه واستعمل القياس لم يرج فلاحه في طريق الخواص ، فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى ، وطلب العفاف فقد عفا اللّه عما سلف . ومن عاد إلى ما خرج عنه ؛ من متابعة هواه ، فنار القطيعة مثواه ومأواه . ومن شأن الحق جل جلاله مع عباده : أن من طلب الزيادة في حس ظاهره محق اللّه نور باطنه ، ومن حسم مادة زيادة الحس في ظاهره قوى اللّه مدد الأنوار في باطنه ، ( يمحق اللّه الربا ويربى الصدقات ) ، أي : يقوّى مدد ثواب الصدقات . ( واللّه لا يحب كلّ كفّار أثيم ) ، وإنما يحب كل مطيع منيب ، وهو من آمن إيمان أهل التحقيق ، وسلك مسلك أهل التوفيق . فلا جرم أنه ينخرط في سلك أهل العناية ، ويسلك به مسلك أهل الولاية ، ( الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) . ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه ) حق تقاته ، واتركوا ما بقي في باطنكم من بقايا الحس وأسبابه ، إن كنتم طالبين إيمان أهل الشهود ، والوصول إلى الملك المعبود . فإن لم تفعلوا ذلك فاعلموا أنكم في مقام البعد من حيث لا تظنون ، معاندون وأنتم لا تشعرون . وإن رجعتم إلى ربكم فلكم رؤوس أموالكم ، وهو نور التوحيد ، لا تنقصون منه ولا تزيدون عليه ، إلا إن أفردتم الوجهة إليه ، وطلبتم الوصول منه إليه ، فإن اللّه لا يخيّب من أمّل جوده ، ولا يردّ من وقف ببابه ، بمنّه وكرمه . ثم ذكر حال المعسر ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 280 إلى 281 ] وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 280 ) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 281 )